في الوقت الذي تحث قيه مصر لبنان على التمسك بـ"الخطوط الحمراء" في المفاوضات مع إسرائيل، أفادت صحيفة "ذا ناشيونال" نقلاً عن محللين، أن ذلك يعكس قلقها المتزايد بشأن طموحات إسرائيل التوسعية في الشرق الأوسط، مع استئناف المحادثات المباشرة في واشنطن يوم الخميس.

 

وقالت إنه على مدى عامين ونصف، راقبت مصر بقلق متزايد ما تعتبره استراتيجية إسرائيل لتوسيع نفوذها من خلال القوة العسكرية في جميع أنحاء المنطقة، من غزة إلى سوريا، وحتى إيران، بينما تدفع لبنان إلى وضع مستحيل.

 

وأشارت إلى أنه في مختلف هذه المجالات، حافظت مصر، التي توترت علاقاتها مع إسرائيل منذ هجوم حماس على إسرائيل عام 2023 والحرب الإسرائيلية التي أعقبتها واستمرت عامين على غزة، على وجود ثابت. 

 

فقد ساهمت في صياغة اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وتشاورت مع النظام الجديد في دمشق، ولعبت دور الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، إلى جانب باكستان ودول أخرى.

 

وتُعد خطوتها الأخيرة محاولة لتأكيد دور أكبر في مفاوضات لبنان.

 

الخطوط الحمراء

 

ونقلت الصحيفة عن مصادر في القاهرة، بالإضافة إلى محللين، إنه على الرغم من دهشة مصر من قرار لبنان المضي قدمًا في محادثات مباشرة مع إسرائيل ، إلا أنها كانت تقدم المشورة بهدوء بشأن الخطوط الحمراء التي لا ينبغي تجاوزها.

 

ويتمثل نهج القاهرة في دعم الدولة اللبنانية في مواجهة الضغوط الإسرائيلية والفصائل الداخلية، مع وضع نفسها في الوقت نفسه لمواجهة أو استباق أي جهد إسرائيلي لفرض واقع إقليمي يتماشى مع سياساتها المتطرفة.

 

وقال نائل شما، الباحث السياسي المهتم بسياسات الشرق الأوسط، "إن اهتمام مصر العميق بلبنان ليس مسألة مجاملات دبلوماسية". 

 

وأضاف للصحيفة: "إنها لا تلعب دورًا سطحيًا فحسب، بل هناك انخراط عبر مؤسسات الدولة، مما يدل على وجود مصالح جادة وواسعة النطاق". وأوضح أن القاهرة سبق أن بادرت إلى دعم لبنان والتفاعل معه، ولكن "ليس بهذا المستوى".

 

وتوجه وزير الخارجية بدر عبدالعاطي إلى بيروت في 26 مارس، في خامس زيارة له إلى العاصمة اللبنانية خلال عامين. وأشرف على تسليم ألف طن من المساعدات، وأكد مجددًا دعم مصر للبنان في ظل الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

 

وخلال زيارته، التقى بالرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري، مؤكدًا لهما دعم مصر، والذي غالبًا ما يشمل التدريب والتجهيزات للجيش، فضلاً عن عملها الدبلوماسي لمنع التصعيد.

 

كما أعرب عن دعم مصر لجهود الحكومة اللبنانية لتوسيع سلطتها في جميع أنحاء البلاد ووضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة.

 

خيبة أمل مصرية 

 

واستمرت الاتصالات رفيعة المستوى بين بيروت والقاهرة بعد الرحلة، حيث أجرى (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي وعون، محادثات عبر الهاتف في 18 أبريل، عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام في لبنان، مما أوقف أكثر من ستة أسابيع من الضربات الإسرائيلية المدمرة في جميع أنحاء البلاد المحاصرة، فضلاً عن الهجمات الصاروخية التي شنها حزب الله.

 

وجاءت المكالمة بعد أربعة أيام من انتقال إسرائيل ولبنان إلى مفاوضات مباشرة في واشنطن في محاولة لإنهاء الأعمال العدائية والنظر في هدنة طويلة الأمد.

 

وقالت مصادر في القاهرة مطلعة على ملف لبنان، إن مصر أبلغت الحكومة اللبنانية "خيبة أملها ودهشتها" إزاء قرارها إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل دون إخطارها أو طلب مشورتها، بالنظر إلى تجربة مصر بعد عقود من المفاوضات مع الإسرائيليين.

 

كما ورد أن دولاً إقليمية أخرى تسعى إلى توضيح أهداف لبنان في المحادثات. وتنص مبادرة السلام العربية، التي اعتمدتها قمة جامعة الدول العربية التي عُقدت في بيروت عام 2002، على أن أي إقامة لعلاقات مع إسرائيل، وهو أمر من غير المرجح أن يكون هدفًا للمناقشات الحالية، يجب أن تتم في إطار عربي جماعي.

 

وعلى الرغم من ذلك، نصحت القاهرة الحكومة اللبنانية لاحقًا بشأن "الخطوط الحمراء" التي لا ينبغي للمفاوضين السماح لإسرائيل بتجاوزها، وفقًا للمصادر. وقال أحد المصادر: "أوضحت مصر للبنانيين أن تقديم تنازلات كثيرة لإسرائيل سيكون خطأً".

 

وركز المسؤولون المصريون بشكل أساسي على المناطق البحرية وترسيم الحدود باعتبارها مناطق لا ينبغي فيها تقديم أي تنازلات.

 

خبرة مصرية في المفاوضات 

 

وقال شاما : "تتمتع مصر بخبرة عقود في التفاوض مع الإسرائيليين ومساعدة الفصائل الفلسطينية عندما تفاوضت مع إسرائيل، حيث قدمت لهم الخبرة والمهارة. لذلك أعتقد أن مصر قد تحاول تقديم هذه الخبرة للحكومة اللبنانية في سعيها لإجراء مفاوضات مع إسرائيل".

 

وأضاف: "بشكل عام، لدى مصر مصلحة في دعم الدول والمؤسسات، وفي الحد من نفوذ الجهات الفاعلة غير الحكومية، وبخاصة الجهات الفاعلة المسلحة غير الحكومية مثل حزب الله. لذلك أعتقد أن هذا هو السبب أيضًا في أنها تنظر إلى هذه المفاوضات باهتمام".

 

توسيع النفوذ


وحذرت مصادر في القاهرة من أن التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل يمسّ بسيادة لبنان قد يُشعل فتيل صراع داخلي، لا سيما مع رفض حزب الله دعوات نزع سلاحه ومعارضته للمفاوضات. 

 

كما حذرت المصادر من أن إسرائيل تعتزم منع الجيش اللبناني من دخول منطقة أمنية تُعلنها من جانب واحد في جنوب لبنان، على غرار "الخط الأصفر" الذي رسمته في غزة بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر.

 

ولا ينص اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين حزب الله وإسرائيل والذي دخل حيز التنفيذ في 16 أبريل على انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية.

 

ونشر الجيش الإسرائيلي هذا الأسبوع خريطة تُظهر خطًا يقطع 21 قرية في جنوب لبنان، مما يخلق ما تسميه إسرائيل منطقتها الأمنية. وتُظهر الخريطة عشرات القرى التي تمتد إلى حوالي 10 كيلومترات داخل جنوب لبنان تحت السيطرة الإسرائيلية، حيث مُنع السكان من العودة وحيث تواصل إسرائيل هدم المنازل السكنية والبنية التحتية.

 

كما كان لبنان نقطة نقاش بين القاهرة وواشنطن، حيث دعا عبدالعاطي إلى وضع حد للهجمات الإسرائيلية على لبنان خلال اجتماعه مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في العاصمة الأمريكية في 14 أبريل. وتزامنت زيارته مع المحادثات بين لبنان وإسرائيل في وزارة الخارجية الأمريكية.

 

ومن المقرر أن تستضيف الولايات المتحدة الجولة القادمة من المفاوضات على مستوى السفراء بشأن وقف إطلاق نار دائم يوم الخميس.

 

ويرى شاما، أن جهود مصر لخفض التصعيد في لبنان والمنطقة الأوسع "قد تكون مرتبطة بالمخاوف المتزايدة بشأن النفوذ الإسرائيلي المتنامي"، ولكنها مرتبطة أيضًا بمخاوفها الاقتصادية والجيوسياسية الأوسع.

 

وقال: "هناك قناعة مصرية راسخة بأن الحرب الإقليمية والتوترات ستوجه ضربة قاسية للاقتصاد المصري . وقد رأينا ذلك بالفعل مع انخفاض قيمة العملة المصرية بأكثر من 10% نتيجة لتداعيات الصراع".

 

وأضاف: "الأمر الثاني هو أن مصر تستخدم هذا الدور كوسيلة ضغط. لذلك من المهم بالنسبة لقوة إقليمية أن تظل منخرطة دائمًا وأن تُظهر للعالم دائمًا أنها تتمتع بنفوذ، وأنها قادرة على المساهمة بشكل إيجابي في الأمن الإقليمي".

 

تطور إيجابي 

 

وقال كريم بيطار، المحاضر في دراسات الشرق الأوسط في معهد العلوم السياسية بباريس، لصحيفة "ذا ناشيونال"، إن مشاركة مصر تعتبر "تطورًا إيجابيًا" بالنسبة للبنان.

 

وأضاف: "تحاول مصر دعم الاستقرار والوحدة ومنع انهيار الدولة في لبنان "، في حين يجد البلد الذي مزقته الحرب نفسه في وضع صعب.

 

وتابع: "من المطمئن للغاية رؤية دول تدرك خطر التفكك وتحاول دعم المؤسسات اللبنانية والدفاع عن وحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه في وقت تكون فيه هذه الدول معرضة للخطر بشكل خاص".

 

https://www.thenationalnews.com/news/mena/2026/04/23/surprised-but-supportive-egypt-steps-up-diplomatic-efforts-to-curb-israeli-expansion-in-lebanon